أحمد بن يحيى العمري

59

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الشرق والغرب . فأما غالب المتأخرين ، بل جملة الآخرين فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع ، وفيه من بذّ « 1 » الأوائل واستدرك ما فاتهم من الفضائل . وأما حكماء الهند ، وهم قبل اليونان السابقون الأولون ، والحفظة المحصلون ، فما سمع أن أحدا منهم تزحزح عن مكانه ، ولا رضي مثل ( ص 10 ) ما رضوا به بدلا من أوطانه . وهذا فخر لا يدفع ، ودليل لا يرفع ، وعلى تقدير أن يسلم أن مدينة اليونان مفضلة بهم ، وإن برحوا عنها ، وأن لليونان الفضل الباهر ، اتبعوا أم ابتدعوا ، فمدينتهم لتوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب ، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالمغرب ، وذلك مؤيد فيما ذكرناه لكل مقال ، قاطع لكل جدال ، فهي شمالية لا مغربية ، لا شرقية ولا غربية . [ أصحاب الموسيقى ] فأما أصحاب الموسيقا وإجادة الغناء ، فلمن تقدّم من هؤلاء الحكماء في الموسيقا ما يؤخذ عنهم علمه اليقين ، وأما توقيع الألحان ، وترتيب الأنغام ، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصبهاني « 2 » ، هداك النفس الطيب ، وعلمت إلى

--> ( 1 ) بذّ أي غلب . القاموس المحيط ( بذّ ) أي تفوق ، وسبق ونحوه . ( 2 ) يريد بجامعه كتاب الأغاني المشهور ، قال ابن خلكان : الأغاني لم يعمل في بابه مثله ، جمعه في خمسين سنة ، وحمله إلى سيف الدولة الحمداني فأعطاه ألف دينار ، واعتذر إليه . انظر معجم الأدباء 13 / 98 . أقول : وللعلماء فيه أقوال بين قادح ومادح ، ومما لا شك فيه أن فيه أخبار المغنين والقيان والملحنين ولطائف ، وأخبار الندماء ، والمولهين والعشاق ، والمكاتبات بينهم شعرا ونثرا ، ولا يخلو من الطامات والأخبار الوضيعة ، والألفاظ الشنيعة ، وشعر المجون ، مما يهيج العواطف والغرائز ، ويتنافى مع أحكام الإسلام وقيمه الرفيعة . انظر وفيات الأعيان 13 / 109 والوافي بالوفيات 21 / 21 ، وسيظهر هذا جليا في بعض تراجم من سيذكرهم في السطور الآتية ، مع حرصي على الاختصار ، وتجاوزي عن كثير مما لا يليق بهذا المقام . وأبو الفرج هو علي بن الحسين بن محمد بن أحمد ينتهي نسبه إلى مروان الحمار الأموي أبو الفرج الأصبهاني الأموي الكاتب ، كان من أئمة الأدب ، عالما بأيام الناس والأنساب والسيرة ، كان